سيد محمد طنطاوي
383
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
شهر ذي الحجة ، لأنها وقت مناسك الحج ، ففيها الإحرام ، والطواف ، والوقوف بعرفة . . وقيل المراد بها : الليالي العشر الأواخر من رمضان وقيل : الليالي العشر الأول من شهر المحرم . . قال الإمام ابن كثير : والليالي العشر : المراد بها : عشر ذي الحجة . كما قاله ابن عباس وابن الزبير ، ومجاهد ، وغير واحد من السلف والخلف . وقد ثبت في صحيح البخاري ، عن ابن عباس مرفوعا : « ما من أيام العمل الصالح ، أحب إلى اللَّه - تعالى - فيهن ، من هذه الأيام » - يعنى : عشر ذي الحجة - قالوا : « ولا الجهاد في سبيل اللَّه ؟ قال : ولا الجهاد في سبيل اللَّه ، إلا رجلا خرج بنفسه وماله ، ثم لم يرجع من ذلك بشيء » . . وقيل : المراد بذلك : العشر الأول من المحرم . وقيل : العشر الأول من رمضان . والصحيح القول الأول . . « 1 » . وأقسم - سبحانه - ثالثا ورابعا بقوله : * ( والشَّفْعِ والْوَتْرِ ) * والشفع : ما يكون ثانيا لغيره ، والوتر : هو الشيء المنفرد . وقد ذكر المفسرون في المراد بهذين اللفظين أقوالا متعددة ، فمنهم من يرى أنهما يعمان كل الأشياء شفعها ووترها ، ومنهم من يرى أن المراد بالشفع : يوم النحر ، لكونه اليوم العاشر من ذي الحجة ، وأن المراد بالوتر : يوم عرفة ، لأنه اليوم التاسع من شهر ذي الحجة . ومنهم من يرى أن المراد بهما : الصلاة المكتوبة ، ما كان منها شفعا ، كصلاة الظهر والعصر والعشاء والصبح ، وما كان منها وترا كالمغرب . ومنهم من يرى أن المراد بالشفع : جميع المخلوقات ، وبالوتر : اللَّه - تعالى - الواحد الصمد . وقد رجح بعض العلماء هذا القول فقال ما ملخصه : والواقع أن أقرب الأقوال عندي - واللَّه أعلم - . أن المراد بالوتر ، هو اللَّه - تعالى - ، للحديث : « إن اللَّه وتر يحب الوتر » ، وما سواه شفع . . لأنه ثبت علميا أنه لا يوجد كائن موجود بمعنى الوتر قط ، حتى الحصاة الصغيرة ، فإنه ثبت أن كل كائن جماد أو غيره مكون من ذرات ، والذرة لها نواة ومحيط .
--> ( 1 ) تفسير ابن كثير ج 7 ص 412 .